السيد محمد حسين فضل الله
402
من وحي القرآن
سنّة اللَّه في عباده ، فإن نعم اللَّه التي ينزلها على عباده ، في ما تقتضيه رحمته وحكمته ، لا تتغير ولا تتبدّل ما دامت النيات خالصة ، والخطوات مستقيمة على النهج الذي يحبه اللَّه ويرضاه ، فلا ينزل عذابه في الدنيا ، ولا عقابه في الآخرة ، إلا بعد أن يغيروا ما بأنفسهم ، في ما يواجهون به الأنبياء والدعاة إلى اللَّه من جحود وكفران وتمرّد وعصيان ، وما يفسدون به الحياة بعد إصلاحها ، ولذلك فإن الأمم السابقة لم تتعرض للعذاب أو للبلاء ، إلّا بعد وصولها إلى المدى الذي يمثل الخطورة على مسيرة الإيمان والمؤمنين في ما يواجهونه من التحديات والتعديات في هذا المجال . وهكذا نستطيع أن نعرف أن تغيير النعم وزوالها خاضع للسلوك العملي للناس ، في ما يفعلون ويتركون . فإذا أرادوا بقاء النعمة ، فعليهم الاستمرار في الانفتاح على اللَّه وفي الإخلاص له ولعباده ، لأن ذلك هو السبيل الذي تتحرك فيه النعم في حياتهم . ولكن ليس معنى ذلك أن هناك حتميّة في تغيير الواقع عند تغيير النيّات والأعمال ، فقد تقتضي حكمة اللَّه أن يبقي لبعض عباده نعمتهم ، مع اختلاف نواياهم وأعمالهم ، لأن هناك جانبا آخر يفرض بقاءها واستمرارها . وتلك هي أسرار اللَّه في خلقه ، لا يعلمها إلا هو . وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع كل شيء ويعلم بكل شيء ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض . كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ، وكانوا يتقلّبون في نعم اللَّه ، في ما يملكونه من ثروات وإمكانيات ، وما يتقلبون به من رخاء وجاه وسلطان ، ولكنهم لم يشكروا اللَّه على ذلك ، عندما أرسل رسوله موسى بآياته ليخرجهم من ظلمات الضلال إلى نور الهدى ، فتمرّدوا واستكبروا وكذبوا بآيات اللَّه . فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ . سواء كانوا في مواقع المسؤولية فأضلوا وضلوا ، أو كانوا في القاعدة فظلموا أنفسهم باتّباع الظالمين والمستكبرين ، ولم يستجيبوا لرب العالمين .